لمحة تاريخيــة

إن المدينة حسب أهلها هي أول مدينة شيدت في التاريخ. قال إصطفان الدويهي :”إن قلعة بعلبك في جبل لبنان هي أقدم من جميع ما بناه البشر في العالم بأسره”. ذهب بعض المؤرخون إلى أن الشيطان أسمودي هو من هندس بعلبك واسسها لقايين بن آدم، بعدما قتل آخاه. وقال المؤرخ “دافيد هيركار” : إن هياكل بعلبك بُنيت قبل طوفان نوح، لأن حجارة الهياكل نقلت على ظهر الحوت، الذي إنقرض بالطوفان، وهو يكبر الفيل بعشر مرات. وشاع بين المؤرخون العرب أن مردة سليمان هم من أشادوا هياكل بعلبك لأنها لا يمكن أن تكون من صنع البشر.

إن أكثر أجزاء مدينة بعلبك شهرة هو القلعة الرومانية التي تحتوي في داخلها على معبدي جوبيتر وباخوس والى جانبها معبد فينوسز. وحتى أوائل هذا القرن كانت آثار رومانية أخرى لا تزال محفوظة ، فسور المدينة مثلا كان في حالة حفظ في أوائل القرن العشرين وكان من السهل اتباع تخطيطه. ولقد ذكرت مراراً كتابات المسافرين البيزنطيين والعرب وغيرهم في أوائل القرن السادس عشر أنهم عبروا عن دهشتهم للعمل الباهر الذي نفذ في الفترة الرومانية.
بدأ منذ القرن السابع عشر البحث العلمي عن آثار القلعة ففي سنة 1751 م (وذلك قبل آخر زلزال ضرب المدينة والقلعة) قام البريطانيين روبرت وودس وجيمس دوكنز بنقش ورسم تفاصيل المباني وفيما بعد قام الفرنسي لويس فرنسوا بالعمل نفسه عام 1785 م . أما الحدث الذي أطلق الحفريات العلمية سنة 1898 في بعلبك هي رحلة الامبراطور الالماني وليم الثاني وقد أرسل عالمي آثار كي يقوما بتقدير كلفة حفريات الموقع. وبين سنتي 1900 و 1904 قام العلماء الألمان بكشف الأجزاء الرئيسية للمعابد الثلاثة وقاموا برسم كل الآثار المحفوظة. وابتداء من سنة 1930 تابع أثريون فرنسيون أعمال الحفر وخاصة معبد جوبيتر. ومنذ سنة 1943 و حتى بدء الحرب اللبنانية استلم اللبنانيون الأثريون مهام الحفر في بعلبك ليستمر بعد الحرب التنقيب والدراسات والحفريات للآثار بالتعاون مع البعثات الألمانية.
أما العالم الروسي “لاجرست” فرأى أن بناة بعلبك هم جماعات هبطوا من الفضاء الخارجي وعلّموا أهل بعلبك كيفية البناء وقفلوا راجعين إلى كواكبهم.

 

- معبد “بعل مرقد – جوبيتير” :

“بعل مرقد” Baal Marcad هو اكبر آلهة “دير القلعة” والمعروف أن الشعب الفينيقي لم يكن يدعو آلهته بأسمائها لان في هذا وجوب الرد على المناداة وهذا ينافي الاحترام الذي خصت به الالهة ، لذا عمد أهل فينيقيا إلى تلقيب ألهتهم ببعض الخصال الحميدة.
فكلمة “بعل” تعني “الإله” أما لفظة “مرقد فهي مشتقة من فعل في اللغة الفينيقية معناه “هز” إن “ركز” وهو الأقرب إلى معنى “رقد” أو “ركد” بالآرامية. هكذا فان “بعل مرقودي” هو الإله الذي ترتجف منه الأرض وهذا الإله على القوة الإلهية. أما في اللغة الآرامية فكلمة “رقد”فمعناها “رقص” وهكذا فان “بعل مرقودي” يعني “اله الرقص والطرب والغناء”. فهو الإله القدوس الواحد مرقودي (Theo Agio Mono Marcodi) وهذا يظهر جليا في منقوشات دير القلعة ويذكر أن “بعل مرقد” اتخذ لنفسه ألقاب عديدة “كاله الخمر” و “ملك المآدب” وغيرها.
يعرف معبد “بعل مرقد” اليوم ب “القلعة” وقد قام على جانب منه دير مار يوحنا للطائفة المارونية مشتهرا باسم “دير القلعة”. ويعد المعبد من ابرز الآثار المكتشفة في “بيت مري” ذلك أن حجارته قد تكون الأعظم نظرا إلى أن ضخامتها تشبه صخور وأعمدة قلعة بعلبك ، حيث أن قوتها وجدا المعبد صامد حتى يوحنا هذا بحالة جيدة.
قد تكون معابد بعلبك رومانية الشكل والزخرف. بيد أن من يمعن التحديق في تصاميمها وبعض تفاصيلها لا بد له من ملاحظة الكثير من التأثيرات السامية المحلية عليها. ومما لا شك فيه أن تلك التأثيرات كانت ناجمة عن تدخل مباشر من قبل الكهنوت البعلبكي في التخطيط كي تتوافق البنى الجديدة مع متطلبات العبادة المحلية, لا سيما وان الرومان كانوا يحرصون على عدم استعداء السكان المحليين في المسائل الدينية. ف”جوبيتر” الروماني لم يكن اكثر من غلاف ل”حدد” رب الرعود والبرق المحلي, و”الزهراء” الرومانية لم تكن إلا وجه من اوجه الالاهة آلام السورية, وكذلك “عطارد” الذي لم يكن إلا صورة لاله بعلبكي شاب كان يهيمن على الزروع والقطعان التي كانت تشكل ثروة بعلبك في تلك الأيام.

 

باخوس :

في القلعة ايضا معبد أصغر حجما من معبد جوبيتر وقد تعمد بناؤون أن يرفعوه عن مستوى محيطه فرفعوا باحته التي بني عليها المعبد. يعود تاريخ معبد باخوس إلى القرن الثاني الميلادي. وقد استطاع مقاومة الزمن وحافظ على الكثير من ملامحه الأولى. يتميز ببوابته العملاقة التي يبلغ ارتفاعها 13 مترًا وعرضها ستة أمتار، وتقع على منصة يبلغ ارتفاعها خمسة أمتار. يضم المعبد أعمدة متصلة ببعضها بتيجان مزخرفة. وفي جهة المعبد الجنوبية الشرقية برج تحوّل في عصر المماليك في القرن الخامس عشر إلى قلعة يقيم فيها الوالي. ج- فينوس : يقع المعبد المعروف بمعبد فينوس خارج القلعة داخل حرم قدسي محاط بسور وكانت الآلهة فينوس عضواً من أعضاء الثلاثي الالهي الهليوبوليتاني. أما في الداخل فكانت زخرفة الهيكل على شكل صفين من الأعمدة.

 

 

معبد “فينوس”

هيكل فينوس : هو عبارة عن بناء مع قبّة يقع في جنوب شرقي الموقع , حوّله البيزنطيون الى كنيسة للقديسة بربارة. دمرّ الامبراطور الروماني ثيودوسيوس مذابح هيكل جوبيتر واستعمل حجارتها لبناء كاتدرائية كبيرة فوقها، يُمكن رؤية بقاياها قرب درج الهيكل كما ويمكن رؤية بقايا مسجد أموي قرب مدخل الأكربولس . وقد تم إبّان الفتوحات العربية تحصين بقايا الهيكل وأطلق العرب على المنطقة إسم القلعة .ضربت هزّات أرضية عنيفة بعلبك فمحت معالمها بشكلٍ كلّي، إلاّ انه في القرن التاسع عشر بدأت بعثة المانية بأعمال الحفر والتنقيب وإعادة بناء ما يُمكن إنقاذه من بقايا المدينة . وهكذا، وبفضل أعمال علماء الآثار اللبنانيين والفرنسيين والألمان، صار في مقدورنا مشاهدة عظمة التاريخ , والتكهن ما كانت عليه هذه المدينة من امجاد ومكانة . وهناك بقايا معبد رئيسي رابع كان يقوم فوق احد التلال الى الجنوب من المدينة يعرف بمعبد عطارد “ميركير” ومعبد آخر على نبع رأس العين وهو معبد “نبتون”. كما تعرف بعلبك بعدد لا بأس به من المعالم الاسلامية مقام السيدة خولة، الجامع الكبير الذي يرجع بنائه الى بدايات العهد الاموي اذ تشير بعض الدلائل الاثرية الى انه شيد في موقع الساحة الرومانية العامة، جامع النهر، جامع الحنابلة، جامع الصاغة والمدرسة النورية. لا يمكن لأيٍّ كان أن يزور بعلبك دون أن تصعقه عظمة هذه المدينة بمعابدها التي تكتنف الأسرار وبحجم الأحجار والتقنيّات الهندسية المستعملة لبناء هذه النُصب الحجرية الرائعة ,ومن أهمها حجر الحبلى وهو أكبر حجر في العالم. كما قامت البلدية بتأهيل وترميم السوق القديم ليصبح السوق التراثي في المدينة ومخصصاً للمشاة وتقوم البلدية بدراسة شاملة لتأهيل منطقة الوسط للمشاة والزائرين.