«بعلبك عشية الأعياد»: جمود وانتظار.. ونسبة المقترضين إلى 85%

تعاني الحركة الاقتصادية والتجارية في بعلبك حالة من الجمود والقلق وانتظار المجهول، متأثرة بما يحصل من هزّات أمنية في الداخل، وبما يجري في الجوار السوري.
فقد توقفت كلياً الحركة التجارية عبر الحدود، خصوصاً بعدما أقفل طريق بعلبك – حمص لما كان يشكله من معبر تجاري لتبادل البضائع في الاتجاهين، وزاد من حجم التأثير توقف الحركة السياحية التي كانت ترفدها الشركات السياحية السورية منذ أكثر من سنتين، إذ تراجع حجم السيّاح إلى المدينة إلى أكثر من 25 في المئة قياساً مع السنة الماضية، برغم أن السياحة الدينية إلى المدينة زادت زيادة ملحوظة خلال السنة الحالية، بعدما تحول قسم كبير من زوار السيدة زينب إلى زيارة مقام السيدة خولة.
وطالت حالة الانكماش الاقتصادي القطاعات كافة، وإن تباينت الأرقام حول حجم التراجع؛ ففي قطاعات وصلت إلى 75 في المئة، فيما تصل في بعضها إلى 15 في المئة، وذلك مقارنة مع العام 2011. وعلى الرغم من الزيادة الطارئة في عدد السكان في بعلبك نظراً لوجود أكثر من 35 ألف نازح سوري، لكن ذلك لم ينعكس على الحركة الاقتصادية إلا في بعض الامور المتعلقة بالمواد الغذائية.
الأزمة الاقتصادية العامة، الارتفاع في الأسعار، النقص في القدرة الشرائية، الأوضاع الأمنية، زيادة حجم القروض والديون على المواطنين وصغار التجار، قلّلت من حجم السيولة، وخوف كبار التجّار، جفف من كمية البضائع في السوق، فضلاً عن الجمود في الاستثمار العقاري بعد الطفرة في أسعار الأراضي، وتراجع حجم التحويلات الخارجية من المغتربين اللبنانيين. فهذه العوامل أدت إلى حالة انكماش كبيرة في سوق بعلبك، الذي يعتمد أساساً على رواتب الموظفين والعسكريين والمتقاعدين، وبعض المساعدات المالية من قبل بعض القوى السياسية.

تراجع القدرة الشرائية وتراكم الديون

ويرى رئيس «جمعية تجّار بعلبك» نصري عثمان أن «الفرحة والبسمة غابت عن وجوه المواطنين، خصوصاً مع قرب عيدي الميلاد ورأس السنة، تأثراً بالأوضاع الصعبة التي يعاني منها الوطن»، موضحاً أن «هذا الوضع أدى إلى هبوط في حركة السوق التجاري إلى ما نسبته 50 في المئة في معظم القطاعات».
ويشير إلى أن «المنطقة تعيش من رواتب الموظفين وتحويلات الخارج، وقسم بسيط على القطاع الزراعي، فالموظف تراجعت قدرته الشرائية، وتراكمت عليه الديون والفوائد، إذ تصل نسبة الموظفين والجنود المقترضين من البنوك إلى حدود 85 في المئة، وبذلك يصبح الموظف أسير حركة محددة لها علاقة بترتيب أوضاعه يومياً».
كذلك، معظم تجّار بعلبك مدانون للبنوك، وتتراكم عليهم الفوائد، إذ اضطر العديد منهم إلى بيع بعض من ممتلكاته أو إرثه لتسديد الديون ولإبقاء اسمه نظيفاً في السوق. بينما عمد البعض إلى تجفيف أنواع البضاعة، وحصرها خوفاً من الافلاس. وتفيد معلومات عن «ارتفاع في حالات الافلاس لدى التجّار، وقد بقي معظمها بعيداً عن الأضواء». كذلك عمد تجار كبار في الآونة الأخيرة، إلى التخفيف من عرض بضائعهم في السوق، فارضين أنظمة جديدة للتعامل لحفظ حقوقهم، وإلغاء سياسة الحسابات المفتوحة.

نقل البضائع من بيروت إلى المناطق

ويؤكد حسين شرف الدين (تاجر ألبسة) أنه لم يحضّر لموسم الأعياد هذا العام، كي لا يقع في المحظور، «فالأوضاع غير مشجعة وغير مناسبة، فالنفوس في البلد مشحونة، والناس لا تكاد تأكل، ومن يضطر لشراء هدايا واحتياجات العيد يبحث عن أقل سعر».
ويشير إلى مشكلة تواجه حركة نقل البضائع من بيروت إلى المناطق، «إذ تطالب دوريات الجمارك بالبيانات الجمركية، خصوصاً بعد أزمة المرفأ، علماً أن معظم تجّار المنطقة، يشترون بضائعهم من تجّار بيروت».
من هنا، يعتبر شرف الدين أن «المطلوب أن يقدم البيانات الجمركية هم ولسنا نحن»، داعياً إلى أن «تخفف الدوائر الجمركية الضغط عليهم». ويعطي رقماً لحجم تراجع مبيعاته إلى حوالي 60 في المئة، عما كانت عليه في العام الماضي. ومن أسباب تراجع الحركة داخل المدينة أيضاً، عدم وجود أماكن لوقوف السيارات وغياب الأمن، والزيادة في الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. ولا يتوقع شرف الدين تحسناً في الأوضاع قريبا، بل «يخشى من عمليات انهيار في الوسط التجاري».

«حياتك تتشارك مع تراكم الفوائد»

لم يختلف عماد الأحمر (صاحب أول مكتبة ومحل لبيع الهدايا في بعلبك) في تشخيص الأزمة عن باقي زملائه من تجار بعلبك، لكنه يعبر عن تخوفه من تفاقم التدهور الاقتصادي.
وعن حجم الحركة لهذا العام يقول الأحمر: «لولا اعتماد المكتبة هذا العام، على توزيع الكتب على الطلاب السوريين، وبعض المدارس الرسمية، لكان الوضع أصعب مما كنا نتوقعه». وفي محاولة لتنشيط حركة البيع تم دمج محل بيع الهدايا مع نشاط المكتبة، لكن بقي الوضع على ما هو عليه. ويؤكد أن «ما يزيد الوضع صعوبة حجم الديون، وتراكم الفوائد التي تشاركك حياتك». أما عن حركة الأعياد «فإننا عادةً، نشهد نشاطا لأيام معدودة، لكننا في هذا العام، نرى تراجعا حادا لانعكاس الأوضاع الاقتصادية والأمنية على الناس».

التراجع في الهدايا والألعاب 30%

ويلخص عبده شيبان (تاجر هدايا وألعاب) المشهد قائلا: «كل سنة أسوأ من قبلها»، مشيراً إلى أن «حجم تراجع مبيعاته يبلغ 30 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي»، مضيفاً «الأوضاع الأمنية، الغلاء في البضاعة، زيادة كلفة النقل والشحن، زيادة عدد المحلات في الأرياف.. كل ذلك خفف من الحركة التجارية».

«النازحون.. يرفعون حجم المبيعات»

في المقابل، تختلف حسابات رئيس «نقابة أصحاب المحلات والمؤسسات التجارية» محمد كنعان (صاحب محل ألبسة وفندق ومطعم) عن معظم تجّار بعلبك، إذ تفاجأ بأن حجم مبيعاته لهذا العام «تضاعف حوالي 3 مرات». ولدى البحث عن الأسباب وصل إلى استنتاج أن «عدداً كبيراً من النازحين السوريين، يعتمدون مؤسسته لشراء حاجياتهم، إضافة إلى إلغاء عدد لا بأس به من الوسطاء».
إذ تمكن عدد من تجّار المدينة من تأمين البضاعة من المعمل في الخارج الى المستهلك، «وهذا ما يمكنه من تخفيض الأسعار بنسب عالية».
أما عن الحركة التجارية وسط المدينة، فيلحظ كنعان «وجود تراجع حاد في حجمها تأثراً بالأوضاع العامة الأمنية والاقتصادية». ويقترح لحل أزمة تأمين مواقف للزبائن داخل الوسط التجاري، «تركيب عدادات لوقوف السيارات مسبقة الدفع، بغية منع أصحاب المحلات من إيقاف سياراتهم طوال اليوم، وتسهيل الحركة على الزبائن».

«ليلتان في الفندق.. الثالثة مجاناً»

ويرى كنعان أن «الحركة السياحية في المدينة شهدت في موسم صيد الفري نشاطاً جيداً، إضافة إلى بلوغ الحجوزات العربية واللبنانية إلى حوالي 50 في المئة، خلال فترة التحضير لمناسبة أربعين الإمام الحسين ولزيارة مقام السيدة خولة». ويشير إلى أنه «من المحفزات للبقاء في بعلبك، إعطاء من يحجز ليلتين في الفندق ليلة ثالثة مجاناً»، مطالباً «وزارة السياحة وبلدية بعلبك تنشيط الدعاية السياحية لمدينة بعلبك، لما تشكله من معلم أثري وسياحي، خصوصاً في ضوء ما نشهده من زيادة في النشاط التجاري أثناء التحضير لمهرجان التسوق السياحي الذي تشهده المدينة سنوياً».

comments

Powered by Facebook Comments

0
  مواضيع مشابهة
  • No related posts found.