بعلبك صنعت من خان الحرير حنيناً إلى القلعة الأثرية

هو العائد إلى مهرجانات بعلبك ونحن في انتظاره لنغنّي معه “خبز أمي”، وليعلو بيده، يدعونا إلى مشاركته وليمته، والقلوب جاهزة صوتا واحدا، خجولا، حتى لا يجرّح نشازنا وتر عوده، حتى يبقى الليل مضاء بنجوم صوته فتعود اللازمة توجعنا “بين ريتا وعيوني بندقية”. هوذا مارسيل خليفة الآتي مع ابن أخيه ساري، لا بالألوان الفاهية، العذبة، بل بالأسود والأبيض كما قال، مختبراً هذين اللونين في ارتباط موسيقاه بشعر محمود درويش، وعماده بميرون شاعر الأرض السليب، حتى أصاب ذاكرة الناس، بعوده المنحنية أوتاره إلى ناحية القلب والكبد، وصوته المديد الحامل ثورة من عصارة الوجع والأمل.

أما كتب محمود درويش يقول: “لعل اغنية مارسيل خليفة هي إحدى الإشارات القليلة إلى قدرة الروح فينا الآن على النهوض”؟ أتذكر هذا القول اليوم ومهرجانات بعلبك تحارب المستحيلات للنهوض بهذه التظاهرة التي أصبحت من تراث وطن، متحفا ثقافيا، فنيا، من عمر الحضارات الكبرى، وإيجاد المساحة اللائقة لها، بما يرضي روح الآلهة الذين كانوا يتأهبون صيفا تلو آخر لسكرة من عصير الموسيقى والغناء والمسرح والرقص.
قبل أن يأخذنا مارسيل خليفة بعوده، بغنائه، وقوس ساري خليفة، المستجيب إيقاعات العود، يقظا في استنباط النوطة والعبارة، كان لا بد للداخل إلى هذا الخان التراثي الذي كان في الماضي مصنعا للحرير، التجوّل في أرجائه تآلفا ليس مع المكان وحسب بل إعجابا وتقديرا بما قام به المهندس الداخلي جان لوي مانغي، مستوحيا من كتاب روبرت وود المحفورات القيمة لبول فوردرين عن بعلبك. واستنساخها معابد وآثارا. يقول مانغي: خان الحرير خطفني بجمال هندسته، ونفح فيّ أجواء القلعة فمضيت أطبع على أفلام بلاستية معبد باخوس الرائع بتفاصيله، فيعبر الناس الممر كأنهم في ذلك المعبر الطويل المؤدي إلى دهشة القلعة.
وإذا بمارسيل خليفة يعبّر عن شعوره وهو في هذا المكان المحاط بالقناطر وسقوف القرميد: “لا مكان لمهرجانات بعلبك سوى بعلبك مدينة الشمس. هذا المهرجان علّمنا منذ التاريخ الأوّل، على الرقص والغناء. وكنت جاهزا أن أقدم حفلتي هذه في بعلبك أيضا لكن ما يحدث من مآس حال دون ذلك”.
هو وساري وحيدان على المنصّة، خلفهما نسخة مشيّدة من معبد باخوس باللونين الأسود والأبيض، كما القائمة التي أراد بها مشاركة هذا الكم الهائل من الناس. في وقفته دقيقة صمت على أرواح شهداء هذا الوطن، كنا نسمع رثاء خفيا، ففي الصمت يغني مارسيل، إلى أن عيل صبر العود، فهبّ في تقاسيم أشبه بخيول جامحة أوزانها، ليتخاوى الشيللو، بين أصابع هذا الفتى المغوار بأحاسيس العود وبلاغة تعابيره.
كيف نسأله عن إمكاناته في إنجاز وليمة كبيرة من ألحان وأغان، بآلتين وتريّتين وصوت منفرد، فيرتفع بنا السمع إلى ما يشبه أوركسترا وجوقة؟ هذا الخبير في تقطير موسيقاه في خواب معتّقة، إن ملأ كأسنا بقطرة نغم، بان لنا طعمها كعرس احتشدت فيه أنواع المذاقات. لا شك حين كتب من وحي قصيدة “سرير الغريبة” موسيقى لشيللو منفرد، وراح يصغي إلى ساري، المنخطف في جوارحها، يحز قوسه في الوتر الأكثر جراحا، ثم يلقي أبياتا بلا غناء كوشاح على جسم الشيللو، كان في باله أوركسترا سمفونية تعلو بهذه القصيدة إلى قمم نياته، كما فعل في ديوان درويش “سقوط القمر” حيث ألّف من وحي القصائد مجموعة أصوات بشرية وآلية تعادلت مع فحوى الكلمات.
اسمعوه يغني “خبئيني أتى القمر”، وعودوا معه إلى الشاعر طلال حيدر، كأنه في هذه النقلة يرينا الوجه الآخر للقمر: “بغيبتك نزل الشتي/ قومي طلعي عالبال/ في فوق سجادة صلا ولعم بيصلوا قلال…”.
هو في ذاكرة الناس فعلا. فإن دعوه غنّى بمفرده “خذها برفق إلى موتك المشتهى وانتظرها” وإن هتفوا إليه أنشد: “وأنت تعود إلى بيتك فكّر بغيرك/ وأنت تعود إلى بيتك لا تنسَ شعب الخيام/ وأنت تعدّ فطورك فكّر بغيرك/ ولا تنسَ قوت الحمام/ وأنت تعدّ حروبك لا تنسَ طلب السلام”.
غير أنهم من خبز أمه يريدون، ومن قهوتها، فكأنها في وجدان اللبنانيين هي أم مارسيل وقهوتها ولمستها. اللحن جاهز ليرددوا معه “بين ريتا وعيوني بندقية”. وحين يطلب من الإناث وحدهن الغناء، فكأنه يجد في كل صوت ريتا الحبيبة ذات العيون العسلية.
بعد الزهد الذي يعيشه في القصائد والوحي الموسيقي، آثر أن يكون الختام لأغنية شعبية من أجواء الميناء، “يا بحرية”، تنوّع فيها الإيقاع وتكررت اللازمة كأمواج في ذهاب وأياب. وهو يجود غناء وعزفا، وساري يسمعنا من آلته الوترية، إيقاع الدف والدربكة.

comments

Powered by Facebook Comments

0
  مواضيع مشابهة