بلدية بعلبك بين منع البناء وعدم إمكان ردّ رسومه

في لبنان وحده تُسَنّ القوانين أحياناً كثيرة على قياس وزارة أو إدارة عامة أو بلدية، من دون التأكّد من صوابيّتها، ثمّ تُخرَق بأمر حزبيّ أو بمشيئة أصحاب النفوذ… وما أكثرهم.
منذ ما يقارب العامين وأعمالُ البناء متوقّفة في مدينة بعلبك الممتدة على مساحة 42 ألف كلم، حيث أصدر وزير الداخلية آنذاك مروان شربل قراراً في 5/6/2013 أجاز للبلديات إعطاء تصاريح البناء وفق مواصفات فنية وبيئية محددة ثم عاد وتراجع عنه بعد أسبوع وأعطى قوى الأمن صلاحية وقف البناء.

وهنا بدأت المشكلة، فبلدية بعلبك كانت شكّلت لجنة مؤلفة من مهندسها، مُناظر الأشغال، والمراقب، بالتنسيق مع مهندسي المدينة، مهمّتها درس تصاريح البناء، حيث أصدرت إثرها نحو 400 تصريح، صالحة لمدة سنتين بعد إستيفائها الرسوم.

وعلى الاثر بدأ حاملو التصاريح البناء وقد تمّ إنجاز ما يقارب الـ 275 وحدة سكنية، لكن بعد إلغاء مفعول تلك التصاريح، وقعت البلدية في مأزق تجاه المواطنين، فهي غير قادرة على رد الرسوم إليهم (125 تصريحاً لم ينجز) في غياب أيّ مسَوّغ قانوني يجيز ذلك، خصوصاً في ظلّ إنعدام السياحة في المنطقة والضغط الإقتصادي وتدنّي الدخل الفردي وتداعيات معركة القلمون وإنعكاسها على عائدات الصندوق البلدي.

ومنذ ذلك الحين، توقفت أعمال البناء في بعلبك إلّا المدعومة منها بتغطية حزبية، ما دفع الناس الى رفع الصوت عالياً لحلّ هذه المشكلة خصوصاً في ظلّ التزايد السكاني وضغط النازحين السوريين، وسكان القرى المجاورة.

وفي هذا الإطار، يعتصم المتضرّرون وعمال البناء اليوم امام سرايا بعلبك، لرفض وقف اعمال البناء وسط أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة في المنطقة.

رئيس بلدية بعلبك الدكتور حمد حسن تمنّى عبر «الجمهورية» على وزير الداخلية والسلطة السياسية إيجاد حلّ للتصاريح العالقة، موضحاً أنّ لرئيس البلدية دون سواه الحق الحصري في موضوع البناء، وأنّ وقف التصاريح هو تعدٍّ على صلاحياته.

ولفت إلى أنّ القوى الأمنية تمنع البناء العشوائي وهذا ما نحتاج إليه خصوصاً أنّ بعلبك مدينة سياحية وثقافية وأثرية، والبناء العشوائي يخالف الخطة الإستراتيجية التنموية للمدينة التي تعمل البلدية على تطبيقها، ولحظت فيها موضوع الإستثمار ونِسبه، لكن كيف يجوز للقوى الأمنية أن تتقاعس في قمع الإعتداءات على الأملاك العامة والبلدية وعلى مرأى من جميع الناس في حين تمنع المواطنين من البناء في أملاكهم الخاصة؟»

وشدّد على أنّ «مشكلات الضغط السكاني لا تلحظها القوى السياسية إنما نواجهها نحن وحدنا، وبناءً عليه يجب أن تجيز القوانين لرئيس السلطة المحلية وحده إعطاء تصاريح البناء من دون الرجوع إلى السلطة السياسية».

بدوره، أكد مصدر أمني لـ«الجمهورية» أنّ مشكلة البناء في بعلبك تحتاج إلى حلٍّ جذري، فالقوى الأمنية غير قادرة على تغطية المساحة الكاملة للمدينة في ظلّ نقص العديد والعتاد، فعديد مخفر بعلبك لا يتجاوز 25 عنصراً يتوزّعون بين رتيب تحقيق وحراس ودوريات امنية وأخرى لنقل الموقوفين إلى المحاكمات، فيما يُفرز منهم عدد لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة لمراقبة مخالفات البناء، وهو ما لا يستطيعون فعله فيدفعون ثمنه عقوبات مسلكية»، وأكد حاجة المخفر «إلى عديد أكبر خصوصاً أنّ المدينة اصبحت مركزاً للمحافظة».

وعن توقيف عناصر قوى أمن على خلفية مخالفات بناء، أوضح المصدر أنّ التوقيف أتى نتيجة البناء في أماكن مشيّدة وفق التصاريح، يوم كان القرار للبلديات.

إذاً هي مشكلة يعاني منها أهالي بعلبك وتحتاج لحلٍّ جذري، فنحو 90 في المئة من أراضي المدينة غير مفرَزة رسمياً (فرزاً حبّياً) ولا يمكنها الحصول على رخصة من التنظيم المدني، فضلاً عن أنّ البلدية لا تعطي التصاريح للبناء قرب الآثار، فيما يعاني المواطن من غياب المساواة بين بعلبك والجوار مثل بلدات دورس ونحلة وإيعات، التي يستطيع فيها الحصول على تصريح من البلدية للبناء وفق قرار وزير الداخلية نهاد المشنوق الصادر في 17/4/2014 والذي أعاد بموجبه للبلديات في القرى صلاحية إعطاء تصاريح البناء، في حين لا يستطيع مَن تقع أرضه ضمن منطقة بعلبك العقارية، البناء، أسوة بكلّ المدن الكبرى ومراكز المحافظات، بموجب قرار شربل الذي لم يتم إلغاؤه، على رغم أنّ الفاصل بين المنطقتين قد يكون أحياناً كثيرة طريقاً ترابياً.

الى ذلك، يشكو البعض من المحسوبيات الأمنية والحزبية، فمَن لديه واسطة يستطيع تشييد بنائه على رغم القانون. فهل تجيز الدولة لأصحاب التصاريح بالبناء؟ ومتى تُمنح البلديات سلطتها وتعزز اللامركزية الإدارية؟ وتخفّض الرسوم فتتعزز العلاقة بين الإدارة والمواطنين وتتعزز معها المواطنية؟

الجمهورية – عيسى يحيى

comments

Powered by Facebook Comments

0
  مواضيع مشابهة
  • No related posts found.